منير سلطان
139
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وقوله « وَجاءَ رَبُّكَ » و « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » وأشباه ذلك ، يقول عنهم « فإذا قيل لهم إن الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى مكان ، وصفة من صفات الأجسام ، وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح إلا في جسم يشغل حيزا ، ويأخذ مكانا ، واللّه عز وجل خالق الأماكن والأزمنة ، ومنشئ كل ما تصح عليه الحركة والنّقلة ، والتمكن والسكون والانفصال والاتصال ، والمماسة ، والمحاذاة ، وأن المعنى على « إلا أن يأتيهم أمر اللّه ، وجاء أمر ربك » وأن حقه أن يعبر بقوله تعالى « فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا » وقول الرجل : آتيك من حيث لا تشعر ، يريد أنزل بك المكروه . نعم ، إذا قلت ذلك للواحد منهم ، إن أعطاك الوفاق بلسانه فبين جنبيه قلب يتردد في الحيرة ويتقلب . . لا يحضره التوفيق بقدر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجرى في قوله تعالى ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) على الظاهر لأجل علمه أن الجماد لا يسأل ، مع أنه لو تجاهل متجاهل فادعى أن اللّه تعالى خلق الحياة في تلك القرية ، حتى عقلت السؤال ، وأجابت عنه ونطقت ، لم يكن قال قولا يكفر به ، ولم يزد على شئ يعلم كذبه فيه ، فمن حقه أن لا يجثم هاهنا على الظاهر « 1 » ولا يضرب الحجاب دون سمعه وبصره حتى لا يعى ، ولا يراعى مع ما فيه إذ أخذ على ظاهره من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك « 2 » . ومبدأ التفسير بالظاهر أي عند بعضهم إلى التشبيه والتجسيم فالخروج من المعقول إلى المحال . واعتنقه بعضهم مذهبا فسفيا دافع عنه باخلاص بعد أن عمل على تنقيته من شوائب التشبيه والتجسيم « 3 » . ثانيا : المعتزلة : لقد فرّط أهل الظاهر وبالغوا في فهم القرآن الكريم وآياته بينما أفرط المعتزلة وبالغوا تنزيها . لذا يهاجم الجرجاني المعتزلة كما هاجم الظاهرين - يقول : وأما الأفراط فيما يتعاطاه قوم يحبون الإغراب في التأويل ، ويحرصون على تكثير الوجوه ، وينسون أن احتمال اللفظ شرط في كل ما يعدل به عن الظاهر ، فهم
--> ( 1 ) جملة « فمن حقه . . الخ جواب قوله « إذا كان لا يجرى . . الخ » ، والجثم هنا المراد به شدة التمسك ، وهو بمعنى التلبد بالأرض . ( 2 ) الجرجاني - أسرار البلاغة - 321 و 313 . ( 3 ) لنا حديث عن الإعجاز عند ابن حزم الأندلسي الظاهري - سيأتي إن شاء اللّه ، وانظر في ذلك محمد أبو زهرة - ابن حزم - ص 224 .